عقدة الشام والهيمنة: كيف يعاكس الإسلام مدّ النظام العالمي

الوقت اللازم للقراءة:
9 minsفي ركنٍ قَصَي من سوق بني قينقاع بالمدينة المنورة في شوال من السنة الثانية للهجرة، وحيث كانت النخبة التجارية تمسك بمقاليد الذهب وتتحكّم في مفاصل الاقتصاد، عمدت زمرة من الصاغة إلى تحويل كرامة امرأة عربية لمادة ترفيهية، فسعوا لكشف سترها في مشهد يجسد أبشع صور استباحة الإنسان وتسليعه.
تجاوزت صرخة تلك المرأة كونها استغاثة عابرة، لتغدو شرارة أشعلت الحمية في قلب رجل مسلم هبّ لنجدتها فصرع الجاني، لتتكالب عليه سادة السوق ويردوه قتيلاً.
هنا، عدّ النبي ﷺ الحادثة نقضاً للعهد و إعلاناً للحرب، وتجاوزاً لحدود الجريمة الجنائية الفردية. فتحركّت الكتائب فوراً لتحاصر حصون النخبة المالية، وانتهى المشهد باقتلاع وجودهم من المدينة، وتطهير المجتمع من سطوتهم.
مثّلت تلك الواقعة البيان التأسيسي لمنهج حضاري يضع كرامة الإنسان المستخلف فوق نفوذ رأس المال. واليوم، يعيد التاريخ إنتاج المشهد ذاته على مسرح عالمي؛ حيث يقف الإسلام وحيداً حاملاً إرث تلك الصرخة، ليغدو العقبة الكأداء أمام نظام دولي يسعى لتحويل الكوكب بأسره إلى “سوق قينقاع” كبير، تديره نخبة فاسدة ترى في البشر مجرد أرقام، وفي القيم بضائع، وفي العالم سوقاً مفتوحاً بلا حراس.
حرب الله ضد خيمياء المصارف
تبدأ فصول هذه المواجهة من العصب المالي؛ حيث يقوم الهيكل الاقتصادي للنظام الدولي، وفق تشخيص المؤرخ «نيال فيرغسون» في صعود المال، على ركيزة الائتمان والقدرة المطلقة على توليد النقد من الفراغ عبر البنوك المركزية. تمنح هذه الآلية النخبة المالية (الدائنين) هيمنة تامّة على الشعوب (المدِينين) عبر الفائدة المركّبة، محوّلة ديون الدول إلى أغلال أبديّة تضمن تبعيتها السياسية، في تجسيد حي لـ «أكل أموال الناس بالباطل».
في الضفة المقابلة، يفرض التشريع الإسلامي نموذجاً مالياً صارماً يجرّم الربا ويعدّ الوقوع فيه سبباً لحرب من الله ورسوله مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة 279].
كما يوجب الإسلام ربط الكتلة النقدية بالأصول الحقيقية، ويحظر بيع المال بالمال، جاعلاً التّداول وسيلة للنماء لا للاحتكار. وتطبيق هذا النموذج يُفضي حتماً إلى تجريد المصارف الكبرى من قدرتها السحرية على مراكمة الثروة الوهمية، وتحرير اقتصاديات الأمم من قبضة المتحكّمين ساحباً البساط من تحت أقدام من يملكون مفاتيح الخزائن العالمية.
«النظام المصرفي الحديث يقوم بتصنيع المال من العدم، في عملية تبدو من أكثر حيل الخفة إدهاشاً التي شهدها التاريخ»— السير جوزيا ستامب. (عضو إدارة بنك إنجلترا الأسبق).
التشييء
وبمجرد أن يُحكِمَ النظامُ قبضته على جيب الإنسان، تمتد أذرعه لتطال كيانه الوجودي والاجتماعي؛ إذ يرتكز نمط الحياة الليبرالي المتطرف – وهو من مفرزات النظام العالمي – الذي كشفت وثائق إبستين عن وجِهه الدَّميم، على مبدأ السيولة الأخلاقية وتشييء الكائن البشري.
في هذا النموذج، يغدو الجسد والعلاقات وحتى الأطفال سِلعاً خاضعة لقوانين العرض والطلب، وفق ما يسميه «زيجمونت باومان» بـ الحداثة السائلة، حيث تذوب الثوابت الصلبة لصالح المتعة اللحظيّة والرِّبح.
يقف الإسلام أمام هذا المدّ الجارف كنظام حصانة، مستدعياً النموذج الذي رسخته حادثة “قينقاع” وتوجيهات الوحي التي عظّمت حرمة المؤمن، كما في الحديث الشريف حين نظر النبي ﷺ للكعبة وقال: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك) [ ابن ماجه]. كما يُعلي الإسلام من شأن الأسرة، ويحيط العِرض بسياج من التشريعات الرادعة التي توجب الذود عن الشرف ببذل المهج بل وجعلها من الضرورات الخمس.
وبقاء مجتمعات كاملة ترفض الانخراط في سوق المتعة العالمي، يعطّل مسار العولمة الثقافية، ويفسد سوق الرذيلة الذي تتربح منه لوبيات نفوذ عاتية.
“نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون.” — د. عبد الوهاب المسيري.
صراع المرجعية
ولتشريع هذا التشييء، يحتاج النظام إلى غطاء قانوني، وهنا يبرز صراع السيادة. فبينما تأسس نظام ويستفاليا على حصر السيادة في الدولة والقانون الوضعي الذي تصوغه غالباً جماعات المصالح؛ يؤسّس الإسلام لمفهوم مغاير يمنح الحاكمية للمرجعية الإلهية (الشريعة) التي تسمو فوق أهواء المشرّعين البشر، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40].
يمنح هذا الولاء المتعالي الفرد المسلم استقلالاً داخلياً ومناعة ضد الإذعان التام للقوانين الجائرة. هذه المرجعية المزدوجة تجعل عملية التدجين السياسي للشعوب المسلمة غاية في الصعوبة، وتخلق إنساناً يستعصي على القولبة التامة داخل أطر الدولة الحديثة التي تطلب ولاءً حصرياً، مما يجعل المسلم رقماً صعباً في معادلات الهيمنة السياسية.
حرية الزهد مقابل عبودية الأشياء
هذه الحصانة السياسية والقانونية يعزّزها تمرّد ذاتي على ديانة السوق؛ فبينما تعيش الرأسمالية على تأجيج الرغبة وإبقاء الفرد في حالة جوع مستعر للمقتنيات لضمان دوران عجلة الإنتاج، عبر تقنيات البروباغندا ومنها “التلاعب الواعي والمنظَّم بعادات وآراء الجماهير”؛ يقدم الإسلام ترياقاً عبر تعزيز قيم الزهد والقناعة، واعتبار الدنيا قنطرة عبور، امتثالاً لوصية النبي ﷺ: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) [البخاري].
شيوع ثقافة الاستغناء والرضا بالموجود يشكّل عصياناً اقتصادياً صامتاً، ويضرب أرباح الشركات التي تعتاش على الترف والديون الاستهلاكية في مقتل.
والإنسان القانع، في عُرف آلهة السوق، زبون بلا فائدة وعنصر معطّل لدورة رأس المال، لذا يصبح تحطيم هذه القناعة ضرورة لاستمرار النظام، بينما يعدّها المسلم طريقاً للتحرر من رق العبودية للمادة.
عشّاق الشهادة
ومتى تحرّر الإنسان من عبودية الأشياء، تحرّر تلقائياً من الخوف، لتتولد لديه عقيدة مقاومة تستعصي على الانكسار.
تاريخياً، كابدت القوى الاستعمارية مشاق هائلة في إخضاع الجغرافية الإسلامية بسبب تجذر عقيدة الجهاد في الوجدان الجمعي، والتي تفرض مقاومة الظلم كفرضٍ على المؤمنين، وترسخ مفهوم الشهادة كقيمة عليا وأمنية غالية، استجابة للنداء الإلهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].
هذه الروح القتالية، المستعدة لبذل الروح في سبيل الله، تجعل الحسابات المادية والعسكرية للقوى العظمى عاجزة عن حسم المعارك نهائياً، وتفشل استراتيجيات “الردع” التقليدية القائمة على التخويف من الموت، كما تظهر دراسات «روبرت بيب» حول منطق المقاومة الاستشهادية (يُسمّيها الانتحارية). بقاء هذه الروح متّقدة يعني استحالة تحقيق انتصار نفسي كامل على الأمّة الإسلاميّة، ويجبر الغزاة دوماً على الانسحاب أمام قوم يحبون الموت كما يحب عدوهم الحياة.
المارد النائم وخرائط التقسيم
وأخيراً، فإن هذه الروح المقاومة تتجاوز الأفراد مهدّدةً بالتحول إلى كابوس جيوسياسي يتمثل في وحدة الأمة. فبينما يعتمد النظام الدولي في إدارته للمنطقة العربية على مخرجات اتفاقية سايكس بيكو التي جزّأت المنطقة إلى كانتونات خاضعة؛ يحتفظ الإسلام في بنيته العميقة بمفهوم الجسد الواحد الذي يتجاوز الحدود، مصداقاً للحديث النبوي: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [مسلم].
احتمالية تفعيل هذه الوحدة- ولو جزئياً وبأي شكل ممكن- تعني نشوء كتلة حضارية عملاقة تمتلك الموقع الاستراتيجي، والموارد الطبيعية، والقوة البشرية، مما يهدد بإنهاء حقبة القطبية الأحادية الغربيّة وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي من جديد، وتقويض قرن من هندسة التجزئة والسيطرة.
“تحت وطأة التأثير الغربي، تبدو أعماق للإسلام في حالة حراك واستيقاظ متدرّج، حيث تتبدّى إشارات يقظة كامنة تتفاعل مع هذا الاحتكاك الحضاري.” — أرنولد توينبي.
(تعليق: كان توينبي يرى أن العالم الإسلامي قد يبدو خامداً سياسياً، لكنه يمتلك مخزوناً روحياً هائلاً قد ينفجر إذا تحالفت قوى المظلومين ضد الهيمنة الغربية).
الكيان.. خنجر في خاصرة النهضة
لتحويل التجزئة من حبر على ورق إلى جدران عزل جيوسياسية، عمد النظام الدولي إلى غرس وتثبيت كيان وظيفي في نقطة التماس الوحيدة التي تربط مشرق الأمة بمغربها، قاطعاً بذلك الشريان البري الحيوي بين آسيا وأفريقيا في فلسطين.
يتجاوز هذا الكيان -في جوهره الاستراتيجي- فكرة الوطن القومي وسرديتها المزيّفة، ليكونَ قاعدة عسكريّة متقدمة توفر على الغرب تكلفة المواجهة المباشرة.
هذه الوظيفة لم تكن خافية على صانع القرار الأمريكي؛ فقد وصف وزير الخارجية الأسبق «ألكسندر هيج» إسرائيل في الثمانينيات بأنها “أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم لا يمكن إغراقها”، بينما توّج الرئيس «جو بايدن» هذه العقيدة باعترافه الفج أمام مجلس الشيوخ عام 1986، والذي كرره لاحقاً: “لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان علينا اختراعها“
تتجاوز مهام حاملة الطائرات هذه حماية حدودها، لتصل إلى تنفيذ استراتيجية الضربات الإجهاضية ضد أي محاولة لامتلاك أسباب القوة في المحيط الإسلامي؛ وشواهد التاريخ من تدمير مفاعل “تموز” العراقي عام 1981، إلى قصف منشأة الكبر في سوريا عام 2007، وصولاً إلى اغتيال عالم الذرة المصري يحيى المشد في باريس عام 1980 ضمن حملات اغتيال العقول التي وثقها الصحفي الإسرائيلي الاستقصائي رونين بيرغمان في كتابه“انهض واقتل أولاً”، تؤكد أن الهدف هو منع تراكم المعرفة الضرورية لأي نهضة. وهنا يكون الكيان هو الضامن التنفيذي لبقاء المنطقة سوقاً استهلاكية منزوعة المخالب، وتستمد هذه الثكنة المُدجّجة ديمومتها من استمرار التشرذم العربي، بينما تكمن قيمتها الكبرى لدى رعاتها في كونها الخط الدفاعي الأول الذي يحمي يد النفوذ العالمية من احتمالية انبعاث المارد الإسلامي.
الشام.. “فسطاط المسلمين” وعقدة النظام الدولي
إذا كان العالم هو مسرح الصراع بين النفوذ المادي والاستخلاف الرباني، فإن الشام تمثّل مركز الثقل الروحي والجيوسياسي وساحة المعركة الفاصلة التي تدّخرها الأقدار. ويدرك النظام الدولي بطبقته المتحكّمة فعلياً و بوعيه الاستراتيجي وتراثه الاستشراقي، فرادة هذه البقعة التي وصفها النبي ﷺ بأنها (عُقْرُ دارِ المؤمنين) [النسائي] وموئل الإيمان عند اشتداد المحن.
هنا، تتهاوى نظريات نهاية التاريخ الغربية أمام حقيقة الوحي؛ فهذه الأرض التي اختارها الله لتكون (صَفوة الله من أرضه، يجتبي إليها صفوته من عباده) [رواه أبو داود]، تستعصي بنيوياً على التدجين أو الذوبان في العولمة السائلة. ويجاوز صمود هذه البقعة -رغم تكالب الأمم عليها- حدود القدرة البشرية، ليكون تجلياً لسر إلهي جعل منها أرض المحشر والمنشر، وموضع ملائكة الرحمن الباسطة أجنحتها.
لهذا، ينبع تركيز اليد الخفية العالمية على الشام، وسعيه المحموم لإعادة هندسة ديموغرافيتها وقيمها من خشيته العميقة من تحول هذه الأرض إلى منطلق لنموذج الحضارة البديلة. تتجلّى هذه الاستراتيجية في وقائع التفريغ الممنهج للأرض، وعبر تكامل الأدوار الوظيفية بين المطرقة الصهيونية التي اقتلعت الشعب الفلسطيني من جذوره، وبين المشروع الصفوي الذي تولى مهمة جرف الحواضن البشرية للمسلمين السنّة في العراق وسوريا. وتشكّل مشاهد الباصات الخضراء والمدن المقفرة تطبيقاً حرفياً لاستراتيجية الأرض المحروقة؛ سعياً لمنع التئام الفسطاط في عقر داره قبل أن يرتد هذا المشروع على نفسه يوم 8 كانون الأول 2024 بفضل الله ورحمته.
فالشام في الوعي الجمعي للأمّة -ولأعدائها- هي بيضة القبّان إن صلحت صلح جسد الأمة كله، وإن فسدت -لا قدّر الله- فلا خير فينا، مصداقاً لقوله ﷺ: (إذا فَسَدَ أهلُ الشامِ فلا خيرَ فيكم) [صححه الألباني].
صراع “الوجود” لا “المناسك”
من هنا تظهر حقيقة العداء الوجودي؛ فالنظام المادي العلماني -وهو من مفرزات النظام العالمي – يتسع صدره لشعائر تعبديّة تنحصر في المحاريب، ويرحّب بمسلم يكتفي بطقوسه وعباداته الفردية ما دام أنه منخرطٌ في ماكينة السوق والعولمة. إنما يكمن جوهر الصراع في امتلاك الإسلام «الكتالوج الحضاري» القادر على إدارة العالم وقيادة الإنسانية؛ ذلك المنهج الذي يحرر الإنسان من عبودية المصارف والبشر والحجر، ويحصن المجتمع من سيولة القيم، ويربط الأرض بالسماء.
هي إذن معركة ضد النموذج الذي يهدد باقتلاع جذور الهيمنة، وهنا تصادم حتمي مع المنهج لا مع الطقوس والمظاهر المجرّدة التي لا مشكلة للمنظومة معها طالماً أنها بلا أنياب.
وعلى الرغم من شراسة هذه الهجمة وتكالب الأمم، نمضي في هذا الطريق متسلّحين ببشارة تتجاوز حسابات البشر وخرائط الساسة، يقيناً بوعد الصادق المصدوق ﷺ:
(لَيَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك اللهُ بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذُلاً يُذِلُّ اللهُ به الكفرَ). [رواه الإمام أحمد وصححه الألباني]
فليحشدوا ما شاؤوا؛ لهم سطوة اللحظة، ولنا غلبة الوعد.
