ماذا حدث في الجزيرة؟

آخر تحديث: 27 يناير، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

9 mins

في تحو ّلٍ تاريخي أعادَ رسمَ خارطة السيادة السورية، تعيش اليوم مناطق الجزيرة السورية الفصل الأخير من فصول الصراع الذي استمر لسنواتٍ على أرضها. فمنذ سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، وبزوغ فجر الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بدأ المشهد في التغير، ومالت موازين القوى بوضوح نحو الدولة الواحدة التي تنشدها القيادة الجديدة، تاركة ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أمام خيارين لا ثالث لهما: أما المواجهة العسكرية الشاملة، أو الانضواء الكامل تحت راية الدولة السورية.

وبعد سلسلة من الانهيارات الميدانية المتسارعة في الأيام الماضية والتي انطلقت شرارتها من مدينة حلب وصولاً إلى تخوم القامشلي وعين العرب، تجد قسد نفسها اليوم ملزمة بتنفيذ “اتفاق الاندماج” خلال مهلة زمنية قصيرة، في ظل رفع الغطاء الأمريكي عنها والتغيّر الدولي الجذري في التعاطي مع دمشق.

الشرارة الأولى الشيخ الشيخ مقصود

لم تكن أحداث كانون الثاني 2026 مجرد مناوشات هامشية كما حصل قبلها، بل كانت فعلياً الطوفان الذي أطاح بميليشيا قسد. بدأت الشرارة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، حيث تصاعدت التوترات الأمنية في مطلع الشهر الجاري. حينها اتهمت دمشق قسد بخرق الاتفاقات حول الحيين الذين تسيطر عليهما الأخيرة، مما أدى إلى إعلان وزارة الدفاع السورية بدء عملية عسكرية فيهما لإخراج الميليشيا منهما، وبالفعل تم ذلك بعد اشتباكات دامت خمسة أيام، انتهت بخروج قسد كلياً من مدينة حلب في 11 كانون الثاني. وبذلك أعلنت دمشق استعادة السيطرة على كامل المدينة.

كانت السيطرة السورية على منطقة “دير حافر” هي النقطة المفصلية التالية؛ حيث استخدمت قسد هذه المنطقة التي سيطرت عليها في كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعد انسحاب جيش النظام المخلوع منها، كقاعدةٍ لاستهداف حلب بالمسّيرات الانتحارية، وحشدت فيها العشرات من فلول النظام الذين انظموا لصفوفها.

تلاها قيامها بقطع المياه عن مدينة حلب عبر إيقافها لمحطة مياه “البابيري” شرقي المحافظة والتي تسيطر عليها قسد، وهو ما واجهته وزارة الدفاع السورية بحزم عسكري عاجل، حيث بدأت بالحشد العسكري بمحيطها، إعلانها منطقة عسكرية مغلقة، ما أجبر قائد قسد “مظلوم عبدي” على إعلان انسحابه من المنطقة الواقعة شرقي حلب في 16 كانون الثاني،تلاها تقدم الجيش السوري السريع نحو تخوم مدينة الطبقة الاستراتيجية غربي الرقة. 

الانهيار الكبير

رغم محاولات قسد للعودة لأسلوب المماطلة والمناورة السياسية اثر انسحابها من شرق حلب، إلا أن تقدم الجيش السوري كان أسرع من طاولة المفاوضات بشكل لا يصدق. في يوم 17 من كانون الثاني، وبينما كانت قسد تنفذ انسحابها نحو الطبقة غربي الرقة، واصلت القوات السورية تقدمها، مسيطرةً على حقلي صفيان والثورة النفطي وبحلول مساء ذلك اليوم دخل الجيش السوري مدينة الطبقة،ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد فحسب، بل ثارت غالبية الرقة ضد قسد، حيث خرج الريف الشرقي عن سيطرتها بالتوازي مع انتفاض أهالي مدينة الرقة الذين تمكنوا من طرد ميليشيا قسد من مدينتهم بحلول اليوم التالي.

بالتوازي مع قيام أبناء دير الزور كذلك في مناطق الجزيرة بالانتفاض ضد ميليشيا قسد أيضاً. ومع حلول فجر يوم الأحد 18 كانون الثاني كانت دير الزور بالكامل محررة وغالبية محافظة الرقة أيضاً مع ريف الحسكة الجنوبي، وخارج سيطرة قسد، والتي انسحبت من كل هذه المناطق متوجهة نحو الحسكة ومدينة عين العرب شرقي حلب.

عشائر الجزيرة بيضة القبان

كان مساء يوم السابع عشر من كانون الثاني الجاري، وصباح اليوم الذي تلاه كافياً لطرد ميليشيا قسد من كامل محافظة دير الزور والتي توحدت ضفتيها لأول مرة منذ سنوات طويلة، وكافياً كذلك لإعلان مدينة الرقة محررة، وصولاً لمدينة الشدادي كبرى مدن الحسكة في الريف الجنوبي. وكان الدور الأبرز في عمليات التحرير هذه هو أبناء العشائر الذين ثاروا على قسد، وغيروا قواعد اللعبة، بالتوازي مع عبور الجيش السوري ضفة الفرات اليمنى لأول مرة قاصداً تحرير الجزيرة.

وبالتأكيد لم يكن الأمر عبثياً بل كان ثمرة جهود كبيرة للدولة السورية في تنسيق هذا الحراك، واستثمار رغبة السكان الجارفة بالتخلص من جور  ميليشيا قسد الذي خيم سنوات طويلة على الجزيرة.لم تكتفِ العشائر هذه المرة بالمناوشات المحدودة، والهجمات العشوائية. بل تحركت ضمن استراتيجية شاملة ومدروسة. ولأول مرة، تخلت العشائر عن العمل الفردي، وأصدرت بياناتها العسكرية باسم “تجمع العشائر” في الرقة ودير الزور والبوكمال. كما  حرصت العشائر على التأكيد بأن تحركها يصب في خانة “وحدة سوريا”، وليس مجرد مكاسب فئوية مختصرة.

يضاف لكل تلك العوامل مجتمعة أن قسد كانت تفتقر للقاعدة الشعبية في المناطق التي تسيطر عليها في الجزيرة فهي بقعةٌ ذات غالبية عربية ساحقة، مما جعل صمودها مستحيلاً أمام أصحاب الأرض. وبالتأكيد كان السكان يعتبرونها قوة احتلال ذات تطلعات انفصالية، وكذلك بسبب ممارساتها الظالمة بحقهم منذ مجيئها والتي لم تتوقف أبداً، إضافة للأيدلوجية التي تتبناها والمنبثقة من منطلقات حرب العمال الكردستاني (PKK). كما تعاني قسد من فجوة عميقة بين قيادتها الكردية وقاعدتها المقاتلة، مما أدى إلى حالات فرار جماعي عند أول مواجهة حقيقية.

توالت الهزائم العسكرية لـقسد وصولاً ليوم 19 كانون الثاني، حيث أحكم الجيش السوري سيطرته على مساحات شاسعة من محافظة الحسكة مستغلاً الانتفاضة الشعبية لعشائرها أيضاً، وعلى رأسهم قبيلة شمر الحليف الأقدم لقسد في سوريا، حيث أعلن مقاتلو فصيل “صناديد شمر” سيطرتهم على مناطق اليعربية قرب الحدود العراقية شرقاً، ووقوفهم لجانب الجيش السوري.

كانت هذه الجزئية حاسمة جداً وأعادت الميليشيا لهيكلها الحقيقي قبل 2015 متمثلة بميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية YPG. ومع سيطرة الجيش السوري على معظم آبار النفط والغاز الحيوية في الجزيرة، وهي الرئة الاقتصادية التي كانت تعتمد عليها القوات الكردية بالتوازي مع الانهيار الميداني لم يُترَك لمظلوم عبدي وجماعته سوى التوقيع على وقف إطلاق النار والرضوخ.

اتفاق الحسكة الأخير: الدمج أو الزوال

في بيانٍ نهائي يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني، أوقف الجيش السوري زحفه نحو مدينة الحسكة معلنا وقف إطلاق النار، ومنحت الدولة السورية قسد مهلة أربعة أيام لتقديم خطة تفصيلية لدمج محافظة الحسكة، بما فيها مدينتي الحسكة والقامشلي، ضمن مؤسسات الدولة. هذا الاتفاق، الذي يعد الثالث من نوعه، والذي يحمل ملامح “الاستسلام المنظم” ثمناً لحفظ حقوق الكرد كمواطنين سوريين، مقابل إنهاء قسد وأي نزعة انفصالية.

ومن أبرز بنود الاتفاق:
التمثيل السياسي للكرد بحيث يقترح مظلوم عبدي مرشحاً لمنصب مساعد وزير الدفاع، ومرشّحاً لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء لتمثيل الكرد في مجلس الشعب السوري.
أما الدمج العسكري والأمني فيقضي بدمج مقاتلي قسد بالكامل ضمن بنية وزارتي الدفاع والداخلية السورية مع منع وجود أي تشكيلات مسلحة في القرى الكردية باستثناء قوات أمن محلية. ثم تسليم كافة المعابر الحدودية، وحقول النفط والغاز، والمطارات للدولة السورية فوراً.

تلاها السبت 24 كانون الثاني إعلان الحكومة السورية وميليشيا قسد وقفاً لإطلاق النار لمدة 15 يوماً كإجراء مرحلي تمليه ضرورة تأمين العملية الأمريكية لنقل نحو 7 آلاف من معتقلي تنظيم داعش إلى العراق، وتجنّب أي احتكاك عسكري قد يعرض القوات الأمريكية للخطر في ظل ترتيبات تقليص وجودها العسكري.

ورغم أن الهدنة تمت بوساطة دولية وتزامنت مع استمرار قنوات الحوار بين دمشق وقسد، إلا أن المشهد الميداني يظل محتقناً، حيث تتبادل الأطراف الاتهامات باستقدام تعزيزات عسكرية، لا سيما مع اتهام الجيش السوري لـ قسد بجلب عناصر من حزب العمال الكردستاني وارتكاب انتهاكات في الحسكة وعين العرب. وبينما تسعى دمشق لفرض سيادتها الكاملة ودمج المؤسسات المحلية، تتمسك قسد بالهدنة كغطاء للتفاوض حول مستقبلها الإداري في ظل تراجع نفوذها.

وكانت آخر مستجدات المفاوضات يوم 25 كانون الثاني حيث قال قائد قسد، مظلوم عبدي، إن اتفاقية وقف إطلاق النار مع الحكومة السورية، جاءت برعاية أمريكية، وإن قواته ستستغل فترة الهدنة لتحقيق تقدّم عملي في اتفاق 18 من كانون الثاني.

وأضاف عبدي في مقابلة مع قناة «روناهي» المقربة من قسد، الأحد 25 كانون الثاني، أن الحوار مستمر مع دمشق، وهناك تفاصيل أخرى سيتم مناقشتها، مشيراً إلى أنه بعد انقضاء مهلة وقف إطلاق النار بين الجانبين، سيتم الاتجاه نحو خطوات جدية للاندماج.

تصريح مظلوم عبدي الأخير جاء بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري في جبهات الحسكة وعين العرب،مع مواصلة قسد التحشيد وتحصين مواقعها، مما يوحي باستعداداتها لمعركة قريبة ويفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة تتراوح بين تحول الهدنة إلى تسوية سياسية شاملة أو الانهيار والعودة للمواجهة العسكرية إذا تعثرت المفاوضات بعد انتهاء المهلة، خاصة مع استمرار الهواجس الإقليمية من انتقال التوتّر إلى دول الجوار وتصاعد الاستقطاب القومي في المنطقة.

ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يشكّل المبادرة السياسية الأخيرة التي تمنح لقسد، وإن رفضتها فسيعني هذا استكمال الحل العسكري واقتحام الجيش لما تبقّى من جيوب تتحصّن فيها، سواء في الحسكة أو في عين العرب شرق حلب والتي بات الجيش السوري يطوقها فعلياً.

ومن المرجح أيضاً عدم صمود هذه المهلة كسابقاتها، وسط هيمنة كوادر قنديل على القرار في ميليشيا قسد ورفضهم لأي حلول سلمية. ومع انقضاء مهلة الأيام الأربعة ودخولنا في الهدنة الثانية أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية غير مرة أن قسد استهدفت مواقع الجيش السوري أكثر من مرة خلال الأيام القليلة الماضية، بالتوازي مع توارد أنباء عن عمليات إعدام واعتقالات نفذتها قسد بحق العرب في مدن الحسكة والقامشلي و رميلان وعين العرب.

واشنطن والانعطاف الكبير

لعل الضربة القاصمة التي تلقتها قسد لم تكن من الميدان فحسب، بل من واشنطن. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي تحول جذري، أعلن دعمه الكامل لجهود الرئيس السوري أحمد الشرع في بسط الأمن. وفي تصريحات وُصفت بالصادمة لقيادات قسد، أكد المبعوث الأمريكي “توم باراك” أن الغرض الأصلي لوجود قسد كحليف محلي لمحاربة داعش قد انتهى. وأضاف براك أن العرض الذي قدمه الرئيس الشرع للأكراد، بمنحهم حقوق المواطنة والحماية الثقافية، هو «أعظم فرصة« تاريخية لهم، مشدّداً على أن الولايات المتحدة لا تولي أي اهتمام للنزعات الفيدرالية أو الانفصالية في سوريا.

هذا الموقف الأمريكي أسقط الرهان الأخير لـقسد على الحماية الدولية، وجعل من الاندماج مخرجاً وحيداً لتجنب مواجهة عسكرية خاسرة مع جيش وطني مدعوم بزخم سياسي وشعبي ودولي. بدورها فقد تسلّمت الدولة السورية سجن الشدادي، ومخيم الهول  في الحسكة، وسجن الأقطان شمال الرقة. بالإضافة لإعلان القيادة الوسطى الأميركية يوم الأربعاء 21 كانون الثاني عن بدء نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، والذين يبلغ عددهم 7 آلاف معتقل كانت تحرسهم ميليشيا قسد في سجون الحسكة. خطوة جاءت لتكون بمثابة المسمار الأخير في نعش قسد، وهذه المرة جاءت الضربة القاضية من واشنطن لتنهي أي حاجة من بقاء ميليشيا قسد كقوة عسكرية.

إن ما تشهده الجزيرة السورية اليوم هو المشهد الختامي لسنوات من التشرذم. عودة حلب، ثم دير الزور، ثم الرقة والآن الحسكة، تؤكّد أن الدولة السورية تقطع خطواتٍ إيجابية نحو إنهاء ملف الدويلات داخل الدولة. وإن نجاح عملية الدمج خلال الأيام القادمة سلماً كانت أو حرباً سيعني دخول سوريا مرحلة الاستقرار الكلي، على الأمل الانتقال والبدء الفعلي ببملفات الإعمار واستثمار الموارد الوطنية التي كانت منهوبة لسنوات. وبالأخص إعادة إعمار الجزيرة والدفع للأمام نحو تنمية هذه المناطق التي عاشت عقوداً من التهميش والحروب.

أما بالنسبة لـقسد، فإن الوقت قد بدأ بالنفاد، ولم يعد هناك متسع للمناورة أمام إرادة دمشق والواقع الدولي الجديد. وعلى الرغم من إعلان قسد التزامها بوقف إطلاق النار وأنها جادة بالمفاوضات، إلا أن التجارب السابقة لها، شهدت تنصلها في اللحظات الأخيرة غير مرة. لكن الفارق الآن يكمن في «السيطرة الميدانية»؛ فالجيش السوري بات يطوّق معاقل قسد الكبرى في الحسكة وعين العرب شرقي حلب، والسيادة السورية على موارد الطاقة والحدود لم تعد محل تفاوض، وملف سجون داعش بات طي النسيان.

كما أن مرسوم الرئيس الشرع بمنح الجنسية السورية للأكراد والاعتراف بحقوقهم الثقافية سحب البساط من تحت دعوات «المقاومة» التي حاولت بعض قيادات قسد الترويج لها في وقت سابق.