خريف الوهم وربيع الدولة

آخر تحديث: 22 يناير، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

9 mins

وقائع الانهيار الدراماتيكي للإدارة الذاتية في كانون الثاني 2026

لفهم الديناميكيات التي فجرت الأوضاع في كانون الثاني 2026، يجب العودة إلى جذور المشكلة المتمثلة في الفرصة الضائعة التي أتاحها اتفاق 10 آذار 2025. رعى الجانب الأمريكي هذا الاتفاق كخارطة طريق نظرية تهدف لدمج قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، عبر وقف شامل لإطلاق النار، ودمج الهياكل العسكرية والمدنية للإدارة الذاتية، مع منح قسد سيطرة مؤقتة على الموارد لحين استكمال الترتيبات الدستورية.

لكن التطبيق العملي اصطدم فوراً بعقبة أزمة الهوية والولاء داخل قسد نفسها، فبينما جنح القائد العام مظلوم عبدي للبراغماتية محاولاً الحفاظ على المكتسبات بالتفاوض، كان «القرار الفعلي» مصادراً من قبل الكوادر القيادية المرتبطة عضوياً بحزب العمال الكردستاني. رفض هذا الجناح المتشدّد أي صيغة تذيب الهيكل التنظيمي لقسد داخل جيش مركزي سوري، معتبرين ذلك إنهاء لمشروعهم الأيديولوجي، مما حكم على الاتفاق بالموت السريري.

انتهت المهلة الزمنية المحددة لتنفيذ الاتفاق دون أي تقدّم يذكر، وفشلت جولات التفاوض في باريس ودمشق في كسر الجمود. وفي ظل هذا الانسداد السياسي، اختارت قوات قسد الهروب إلى الأمام عبر تفجير الوضع عسكرياً. بدأت الشرارة بتصعيد ميداني مدروس من قبل مجموعات قسد المتمركزة داخل مدينة حلب، وتحديداً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. لم يكن هذا التحرّك عشوائياً، بل جاء تزامناً مع انتهاء مهلة اتفاق 10 آذار، في محاولة لفرض أمر واقع جديد. أدركت القيادة السورية الجديدة حينها أن استمرار وجود كيان مسلح يسيطر على ثلث البلاد وثرواتها، ويرتبط بأجندات عابرة للحدود (مصنّفة إرهابياً لدى دول الجوار)، يشكل تهديداً وجودياً للأمن القومي لا يمكن التغاضي عنه، مما جعل الحسم العسكري خياراً حتمياً لدمشق.

تحولت التباينات بين الطرفين إلى هوة لا يمكن ردمها، حيث تمسكت دمشق بضرورة دمج الأفراد في الجيش وحل الفصائل، وتسليم ملف النفط بالكامل للوزارة المركزية، وحصر السياسة الخارجية بالعاصمة. في المقابل، أصر الجناح المتشدد في قسد (المرتبط بحزب العمال) على البقاء ككتلة عسكرية شبه مستقلة (على غرار نموذج الحشد الشعبي)، والاحتفاظ بالموارد النفطية وعلاقات خارجية مستقلة مع واشنطن، واعتبار الكوادر الأجنبية «مستشارين» لا يمكن طردهم، وهو ما اعتبرته الدولة السورية مساساً مباشراً بالسيادة ووحدة الأراضي.

شهد يوم 13 من كانون الثاني 2026 لحظة مفصلية غيّرت وجه الصراع، حين أصدرت الإدارة الذاتية بياناً أعلنت فيه النفير العام، متهمة دمشق وأنقرة بتشكيل تحالف يهدف لضرب المكتسبات الديمقراطية. لم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء روتيني لاستدعاء الاحتياط المحلي، بل تحول سريعاً إلى دعوة أممية قومية كشفت الوجه الحقيقي والأبعاد الخفية للمعركة.

استخدم البيان لغة عاطفية تعبوية عالية النبرة، تعمّدت تشبيه المعركة الحالية بمعركة كوباني ضد تنظيم داعش عام 2014، في محاولة لاستنهاض الذاكرة الجمعية للكرد. وجاء في نص الدعوة عبارة صريحة:«كما حول رفاقنا كوباني إلى مقبرة لداعش… سنحول مدننا إلى مقبرة للعقلية الداعشية الجديدة الموجهة من تركيا». كان الهدف من وراء هذا الخطاب واضحاً ومدروساً، وهو شيطنة الحكومة السورية الجديدة وربطها بالإرهاب، بغية استنفار الشارع الكردي ودغدغة العاطفة الغربية.

حزب العمال الكردستاني في الواجهة

ما ميّز هذا التصعيد ونقله إلى مستوى غير مسبوق، هو الظهور العلني لقيادات الصف الأول في حزب العمال الكردستاني (منظومة المجتمع الكردستاني KCK)، وتوجيههم دعوات مباشرة وصريحة للأكراد في دول الجوار (العراق، تركيا، وإيران) للتوجه إلى سوريا والقتال. مثل هذا التدخل العلني نسفاً كاملاً للرواية التي طالما روجتها قسد حول استقلاليتها التنظيمية عن حزب العمال الكردستاني، وأماط اللثام عن قيادات الظل التي باتت تدير المعركة.

أكّدت بيانات العمليات العسكرية للجيش السوري رصد وصول القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني، باهوز أردال (فهمان حسين)، قادماً من جبال قنديل إلى مدينة الطبقة في ريف الرقة. تولّى أردال فور وصوله الإدارة المباشرة للعمليات العسكرية، مهمشاً بذلك القيادات المحلية لقسد. وكان وجود شخصية بوزن أردال (المطلوب رقم واحد لتركيا)، داخل غرفة عمليات الطبقة بمثابة رسالة تحدٍّ واضحة، وتأكيداً على أن المعركة تدار بعقلية «حرب العصابات» الخاصة بالحزب، وليس بعقلية جيش نظامي يدافع عن أرضه ومواطنيه. ميدانياً، ترجم أردال هذه العقلية عبر تبني سياسة «الأرض المحروقة»، حيث أشرف بنفسه على تفخيخ الجسور الاستراتيجية، مثل جسر «شعيب الذكر»، ومحاولات تفجير السدود لعرقلة تقدم الجيش السوري.

فيما وجه مراد قريلان، عضو اللجنة التنفيذية لحزب العمال الكردستاني، خطاباً مصوراً ومؤثراً للأكراد السوريين قال فيه: «اعلموا أننا لن نتخلى عنكم أبداً… مهما كان الثمن، لن نترككم وحدكم». شكل هذا الخطاب في جوهره «أمراً عملياتياً» لكوادر الحزب في كل مكان بالتحرك نحو سوريا. وبذلك، حوّل قريلان الصراع من نزاع سوري داخلي إلى «حرب استقلال كردية» شاملة، مما وضع أكراد سوريا في مواجهة وجودية ومباشرة ليس فقط مع دمشق، بل مع محيطهم العربي والتركي الرافض لهذا المشروع.

وفي تصريحات تعكس الأولويات الحقيقية للحزب، ربط القيادي دوران كالكان أي حل في سوريا بـ «الحرية الجسدية» لزعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان، معتبراً أن دماء المقاتلين في دير الزور والرقة هي مجرد ورقة تفاوضية لتحسين ظروف أوجلان في سجن إمرالي، وليست دفاعاً عن حقوق أكراد سوريا كما يُشاع، واصفاً أي انسحاب أو تسليم للدولة السورية بأنه «خيانة» تجب مقاومتها. من جانبه، لعب صبري أوك، مسؤول ملف سوريا في الحزب، دور «المعطل» لأي حل سياسي، موجهاً تعليمات صارمة برفض شروط دمشق، ومنتقداً بشدة الأصوات الداعية للتهدئة داخل قسد، واصفاً إياها بالانهزامية، ومؤكداً أن «القوة العسكرية هي الضمانة الوحيدة».

استجابةً لنداءات هذه القيادات، وجّهت قسد دعوات رسمية لـ «الشباب الكرد في كردستان العراق، وتركيا، وإيران» للانضمام إلى ما أسمته «مقاومة العصر» في سوريا. كانت هذه الدعوة بمثابة «رصاصة الرحمة» على الشرعية الوطنية لقسد، فقد أثبتت لدمشق وللعشائر العربية بالدليل القاطع أنهم يقاتلون «غزاة أجانب» وليسوا شركاء في الوطن. وقد استغلت الحكومة السورية هذا الخطاب بذكاء لتجييش العشائر العربية، التي ترى في تدفق المقاتلين من إيران وتركيا احتلالاً صريحاً لأراضيها التاريخية في الجزيرة والفرات، مما أجّج المقاومة الشعبية ضد قسد.

تصدّع من الداخل

هذا ولم تكن المعارك الخارجية هي التحدّي الوحيد، فقد كشفت وقائع شهر كانون الثاني عن تصدّع هيكلي عميق ضرب بنية «الإدارة الذاتية» من الداخل، حيث انشطر المشهد وتنازعت القرار ولاءات متناقضة بين تيارين رئيسيين، مما جعل التنظيم يتأرجح بين الواقعية السياسية والأيديولوجيا العابرة للحدود.

عبدي تزعم التيار الأول القائد العام لقسد، مظلوم عبدي، الذي حاول لعب دور «رجل الإطفاء» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بحكم قنوات اتصاله المفتوحة مع الأمريكيين، أدرك عبدي مبكراً حقيقة استراتيجية مفادها أن الغطاء الدولي قد رفع فعلياً، وأن المضي في المواجهة العسكرية هو انتحار محقّق. انطلق عبدي في محاولات دبلوماسية مكثّفة عبر زيارات مكوكية شملت دمشق وأربيل، وعقد لقاءات هامة مع المبعوث الأمريكي توم باراك، مبدياً خلالها مرونة عالية واستعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، تضمّنت الانسحاب الكامل من المدن العربية وتسليم ملف النفط للحكومة السورية.

لكن هذه الواقعية السياسية اصطدمت بجدار صلب، إذ بات واضحاً أن عبدي يتعرض لعملية تهميش ممنهجة من قبل قيادات حزب العمال الكردستاني، وصلت إلى حد وضعه فعلياً تحت ما يشبه «الإقامة الجبرية»، وعزله تماماً عن دائرة القرار العسكري الميداني. وبات المشهد سريالياً، حيث كانت أوامره الصريحة بالانسحاب والتهدئة تُواجه بالرفض القاطع والعصيان من قبل القادة الميدانيين الموالين للقيادي «باهوز أردال».

برز التيار الثاني الذي يدين بالولاء المطلق لقنديل، والذي أحكم قبضته على مفاصل القوة الضاربة، وتحديداً القوات الخاصة (HAT) وجهاز الآسايش. تبنى هذا التيار استراتيجية واضحة لنسف أي تقارب، وتجلى ذلك بأبشع صوره في حادثة 17 كانون الثاني، فبمجرد أن أعلن مظلوم عبدي الموافقة على الانسحاب من منطقة دير حافر كبادرة حسن نية، قامت مجموعات تابعة لهذا التيار المتشدد بتنفيذ هجوم مباغت ضد قوات الجيش السوري التي دخلت لاستلام المنطقة بموجب الاتفاق، مما أدى لمقتل عدد من الجنود وتفجر المعارك مجدداً بنسق أعنف، قاطعين بذلك طريق العودة.

ولم يكتف هذا التيار بتخريب الاتفاقات، بل لجأ إلى اعتماد استراتيجية الفوضى الشاملة، عبر افتعال اضطرابات مقصودة في السجون التي تضم مقاتلي تنظيم داعش، وتحديداً في سجني الصناعة والشدادي، بهدف تشتيت انتباه الجيش السوري ميدانياً، وخلق أزمة أمنية تحرج التحالف الدولي وتخلط الأوراق.

صعود وانهيار

في ظل حالة التخبط التي عصفت بالقيادة وفقدان الحاضنة الشعبية، شنّ الجيش السوري هجومه الواسع مستنداً إلى ظهير قوي تمثل في الانتفاضة العشائرية، مما سرع من وتيرة الانهيار الدراماتيكي لقوات قسد. لم تضطر دمشق إلى الزج بفرق عسكرية ضخمة لسيطرة على دير الزور والرقة، فقد تكفلت العشائر العربية بالجزء الأكبر من المهمة، إذ أعلنت قبائل البكارة والعقيدات والبوحمد النفير العام ضد قسد، وكانت النتيجة الميدانية الفورية طرد قوات قسد من بلدات محورية مثل البصيرة والشحيل، وقطع خطوط الإمداد الحيوية، مما حول قوات قسد إلى جيوب محاصرة ومعزولة تفتقر للدعم.

توالى بعد ذلك تساقط المدن والمواقع الاستراتيجية كأحجار الدومينو، فعلى محور الطبقة، تقدم الجيش السوري وسيطر على المدينة وعلى سد الفرات (أكبر سدود سوريا) دون مقاومة تذكر، خاصة بعد فرار القيادات الأجنبية من أرض المعركة. وفي الرقة، دخلت القوات الحكومية الرقة وسط ترحيب من السكان المحليين وموجة انشقاقات واسعة ضربت المكون العربي في صفوف قسد. واكتملت فصول الهزيمة بتوجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الكردي، حين استعادت دمشق السيطرة الكاملة على حقول النفط في العمر والتنك والكونيكو، منهية بذلك وبشكل نهائي الاستقلال المالي للإدارة الذاتية وقدرتها على الاستمرار.

أمام هذا الانهيار الشامل عسكرياً واقتصادياً، لم يجد مظلوم عبدي مفراً من الرضوخ للأمر الواقع، ليوقع في 18 كانون الثاني 2026 اتفاق إذعان مكونّاً من 14 بنداً مع الرئيس أحمد الشرع، وبوساطة أمريكية. نصّ الاتفاق صراحة على إنهاء التجربة عبر الاستسلام الكامل وتسليم كافة المناطق والمؤسسات لدمشق، وحل تشكيل قسد بدمج عناصره بشكل فردي في مؤسسات الجيش والشرطة، والأهم من ذلك، ترحيل كافة كوادر حزب العمال الكردستاني خارج الأراضي السورية، ليسدل الستار بذلك على حقبة الإدارة الذاتية.

ولكن لم تضع الحرب أوزارها تماماً بمجرد جفاف حبر التوقيع، إذ رفضت الخلايا العقائدية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني التسليم بالهزيمة، مفضلةً التحول نحو حرب الظل. تجلى ذلك في سلسلة من الهجمات الغادرة التي استهدفت وحدات الجيش السوري في محيط الحسكة وسد تشرين، مما أسفر عن ارتقاء ثلاثة جنود سوريين، في محاولة يائسة لتعكير صفو النصر الميداني. وبالتوازي مع هذه الهجمات، حاولت المجموعات الرافضة للاتفاق تطبيق سياسة عليّ وعلى أعدائي قبل انسحابها، فعمدت إلى تفخيخ البنية التحتية الحيوية، مستهدفةً تدمير الجسور ومحطات الطاقة لترك المنطقة ركاماً، إلا أن سرعة تحرك الجيش السوري حدت من حجم الكارثة.

مناطحة الجغرافيا ومعاندة التاريخ

لم يكن الانهيار الدراماتيكي في كانون الثاني 2026 حدثاً طارئاً أو وليد اللحظة، بقدر ما كان حلقة حتمية في سلسلة الفشل المتكرر التي أدمنت قيادة جبال قنديل إنتاجها لعقود. أثبتت وقائع المعركة أن العقلية التي تدير الصراع لم تغادر حقبة الثمانينيات، حيث تكرّر الخطأ الاستراتيجي القاتل المتمثل في مناطحة الجغرافيا.

حاول منظّرو الحزب عبثاً استنساخ تجارب حرب العصابات الجبلية وتطبيقها في بيئة الجزيرة السورية المنبسطة والمكشوفة، متجاهلين الفارق الديموغرافي والاجتماعي المعقد. وكما حدث سابقاً في تجارب الخندق الكارثية داخل المدن التركية (2015-2016)، ثم في عفرين، قاد الحزب تجربة الإدارة الذاتية إلى نفس المصير المحتوم: المراهنة على متغيرات دولية مؤقتة (الوجود الأمريكي) لمعاداة ثوابت جغرافية وتاريخية دائمة (الدولة السورية ومحيطها).

لقد أثبتت التجربة أن تحويل المطالب الحقوقية المشروعة للأكراد إلى مشروع انفصالي مسلح عابر للحدود، بقيادة كوادر غير سورية، لا يؤدي إلا إلى استنزاف الخزان البشري الكردي، وتحويل القرى والمدن الآمنة إلى ساحات قتال خاسرة سلفاً، ينتهي بها المطاف دائماً بالعودة إلى نقطة الصفر، ولكن بكلفة بشرية ومادية باهظة يدفعها السكان المحليون وحدهم.

ختاماً، كان قرار النفير العام واستدعاء مقاتلين من دول الجوار بمثابة انتحار سياسي لقسد ورصاصة الرحمة التي أطلقتها القيادة على نفسها. أثبتت هذه الخطوة القاتلة صحة السردية التي طالما اتهمت قسد بالتبعية للخارج، وعزلتها وجدانياً وجغرافياً عن محيطها السوري.

اليوم، ومع عودة العلم السوري ليرفرف عزيزاً فوق عنفات سد الفرات، تُطوى صفحة الإدارة الذاتية إلى غير رجعة، لتُفتح بدلاً منها صفحة جديدة من الاندماج القسري، دافعاً أكراد سوريا ثمن طموحات أيديولوجية عابرة للحدود، قفزت فوق حقائق التاريخ والجغرافيا، ولم تراع الواقع الجيوسياسي المعقد للمنطقة.