عشائر  سوريا… تهميشٌ وتوظيف

آخر تحديث: 24 ديسمبر، 2025

الوقت اللازم للقراءة:

9 mins

في سوريا، تحمل العشيرة ذاكرة الناس قبل أن تحمل اسمها، تدخل حياتهم عبر الصلح والوجاهة والسند، وتبقى قريبة من نبضهم وعاداتهم وتقاليدهم. ومع اقتراب السياسة منها، تنشأ علاقة مضطربة تضع العشيرة بين التهميش حيناً، والتوظيف حيناً آخر.

من القبيلة إلى الحضارة 

هذا الدور الاجتماعي يأتي في مسار أوسع عرفته المجتمعات البشرية؛ تاريخياً توصف “القبيلة أو العشيرة” بأنها مرحلة من مراحل الانتقال نحو الحضارة والدولة بمفهومها الواسع، بعيداً عن ماهيتها كنمط حياة اجتماعي يسري اليوم بشكلها المتعارف عليه، وغالب الحضارات والدول التي قامت تاريخياً كانت بذرتها الأولى قائمة على على شكل “قبيلة” ثم انتقلت من مرحلة البداوة نحو الاستقرار والتمدن.

منذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد كان العموريون أو “ الأموريون” وهم البدو الذين قدموا بعشائرهم من بلاد الشام يسيطرون على بلاد الرافدين، واجتاحوا المدن السومرية آنذاك وشكلوا “الإمبراطورية الأكدية” التي كانت أول الإمبراطوريات في التاريخ، والعموريون هم الساميون أو الجزريون الأوائل في التاريخ، ومنهم انبثق «العرب» كقومية ومجموعة بشرية والأمثلة المشابهة لاحصر لها في عديد أصقاع العالم عن تحول القبيلة للدولة.

الخريطة العشائرية في سوريا.. الانتشار والتوزّع

تُقسم القبائل العربية في الجغرافيا السورية اليوم لقسمين، الأولى موجودة قبل الإسلام، وكان انتشارها في بلاد الشام، والثانية جاءت بعد الفتح الإسلامي من “شبه الجزيرة العربية”، وتتابع تجوال هذه القبائل حتى عهدٍ قريب من انهيار السلطنة العثمانية وتشكل الدولة السورية الحديثة، حيث لاتعرف القبائل حدوداً ولا تعترف بها أصلاً، فالقبائل تصول ضمن جغرافيا الشرق في دورة متواصلة منذ فجر التاريخ في رحلة “المصافي والمشاتي” الموسمية، ولاحقاً تنقلت مع جيوش المسلمين الفاتحين ووصلت للأطلسي غرباً وللهند شرقاً ولتخوم إسبانيا شمالاً، ونجحت طوال القرون الماضية بل وحتى وقت قريب في تأسيس دول وإمارات خاصة بها.

تعتبر مناطق الجزيرة الفراتية وحوران ووسط سوريا من كبرى المناطق السورية التي تقطنها تركيبة عشائرية، يُضاف إليها أرياف حلب وإدلب، وفي الحقيقة ليس هناك أي إحصاءات ونسب رسمية لأعداد أفراد العشائر، إلا أنها تعتبر غالبية في منطقة ”الجزيرة“ بمحافظاتها الثلاثة “دير الزور والرقة والحسكة” وحوران، مع وجود تجمعات حضرية في مراكز المدن بتلك المناطق.

في شرقي سوريا تعتبر قبائل وعشائر: البقارة والبوشعبان والعگيدات وعنزة من كبرى القبائل هناك، ويُضاف إليها شمر وطيئ والدليم والجبور والمشاهدة والقلعيين وقيس وبني تميم وبني صخر، وفي حوران تبرز عشائر السرحان والمذيب والشبلاق والرفاعي والسعدي والزعبي والحريري والمسالمة والمقداد وبني سرحان، وفي حلب وحمص وحماة وإدلب نجد الموالي والنعيم والعّمُور وبني خالد والحديديين وبني سعيد والفواعرة وغيرهم الكثير، ويتمدد انتشار هذه القبائل لدول أخرى كالعراق والأردن، ولم تنقطع صلة القرابة بين تلك الفروع أبداً. . (2) 

قوة العشيرة وقانونها.. الفزعة في مقابل الدولة

من المسلّمات في علم الاجتماع أنّه كلما قويت الدولة ضعفت القبيلة وتراجعت خصوصيتها، وإذا انهارت الدولة أو تراجعت قوتها سيحصل العكس وهو تنامي قوة هذا الكيان.

في الحالة السورية تبلورت هذه العملية فعلاً، فمع تهاوي القبضة الأمنية لنظام الأسد بعد العام 2011 وتراجعه في عددٍ من مناطق الجغرافيا السورية تصاعد دور العشيرة بشكل كبير وتنامت قوتها لتحل محل الدولة في المناطق ذات الطابع العشائري، وساد ”العُـرف“ قانوناً بديلاً عن قانون الدولة، وأخذ وجهائها على عاتقهم مسألة تنظيم أمور أفراد العشيرة حيث يمثل العُرف العشائري دستوراً شفوياً متوارثاً على مدار قرون طويلة ولا يزال فاعلاً إلى يومنا هذا.

وعلى صعيد المشيخات؛ لم يعد غالبية الشيوخ يحظون بذات المركز والأهمية كما في السابق، بل ساهم التمدن والاستقرار بتكريس حرية الفرد ضمن القبيلة والعشيرة، وغالباً لايرجع غالبية أفراد القبيلة للمشيخة أو الوجهاء إلا في حالات نادرة تتعلق بالعقوبات أو بعض الأمور المهمة التي تتعلق بأمن الأفراد وسلامتهم أو عند حدوث خطر ما، ونقصد هنا أن الصورة النمطية للشيوخ كمتحكمين بكل كبيرة وصغيرة تتعلق بحياة أفراد قبائلهم ليست حقيقية اليوم بل باتت تقتصر على أفراد مُعينين وضمن ظروف محددة. 

من جانب آخر لازال مفهوم «الفزعة» حاضراً عند أبناء العشائر، وهي بمثابة إعلانٌ للحرب ضد كل معتدي يحاول النيل من أبناء العشيرة، حيث برزت  مع بداية الثورة السورية حين فزعت عشائر حوران نصرةً لأطفالها الذين اعتقلهم النظام 2011، ثم فزعة أهالي شرق سوريا لأهل الشمال إبان كارثة الزلزال المدمر (3)  وأخيراً في السويداء ثم حمص. . 

بين العثمانيين والاحتلال الفرنسي.. أين العشائر؟ 

استطاع العثمانيون توطين القبائل في منتصف القرن التاسع عشر، وكان لهم السبق في إحياء الجزيرة الفراتية بعد دمارها لمدة تزيد عن خمسة قرون، وأسسوا “لواء الزور”  ليستخدموا أبناء العشائر في جيوشهم أسوة بالأمويين، وقد حققوا عدداً من الانتصارات،  وكانت سياسة العثمانيين تهدف لكسب ولاء الشيوخ وتقريبهم من “الباب العالي” كل هذا مقابل مهمات حفظ الأمن والاستقرار في مناطقهم، لذلك منحوا عدداً من الشيوخ ألقاب التشريف وأغدقوا عليهم بالعطايا وأسسوا مدرسة خاصة بأبناء العشائر في إسطنبول ليكونوا نواباً للسلطنة في عشائرهم.  (5)

بعد انهيار السلطنة العثمانية، وبدء حقبة الاستعمار الغربي للمنطقة، كانت السياسة الفرنسية تهدف لتجزئة سوريا إثنياً وفق سياسة “فرق تسد” حسب تعبير “الجنرال كاترو” الذي اقتفى أثر نهجه “الجنرال غورو” لاحقاً، لذلك جندوا الكلدان والأشوريين والأكراد “عشيرة الملية” وهي “تحالف عشائري كردي عربي بقيادة كردية” واتخذوا منهم حلفاء إلى جانب القوات الفرنسية، وكذلك فعلوا مع العلويين والدروز، ولم يتوقفوا عند هذا الحد، ، بل عمدوا لكسب ود شيوخ العشائر عبر الإغراءات والعطايا إذ منحوا زعماء العشائر مساحات من الأراضي، وعينوا كثيرًا منهم نواباً في مجلس النواب السوري، وكانت مواقفهم تصبّ في صالح الفرنسيين آنذاك. (6) 

العشائر في عصر نظام الأسد

بعد خروج الفرنسيين من سوريا، وبداية عهد الاستقلال وصولاً لانقلاب حافظ الأسد 1970 انتهجت الحكومات السورية المتتالية في تلك الحقبة سياسة واضحة عنوانها “دمج وصهر القبائل في بوتقة الدولة السورية”، وإضعاف “سلطتها” وسُنت قوانين كثيرة في هذا المجال. 

في نيسان 1956أصدر مجلس النواب السوري “قانون العشائر” ليُخضِع أبناء القبائل والعشائر لجميع القوانين والأحكام المطبّقة على المواطنين الحضريين. (8)

ولكن هذه السياسات لم تدم طويلاً، فبعد وصول حزب البعث للسلطة، فقد تلاشت بقدوم عام 1970 والذي تزامن مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة ، أعاد العرف القبلي من جديد وسمح للقبائل بفض النزاعات فيما بينها بعيداً عن السلطة، وأوقف قانون تأميم الأراضي التي تعود ملكيتها للعشائر وجعل عضوية مجلس الشعب في شرق سوريا وجنوبها بالغالب من شيوخ العشائر، حوّلت براغماتية الأسد الشيوخ لأداة بيديه، واستخدم العشائر لتوطيد سلطته، وتجسد هذا في صدامه مع الإخوان المسلمين في حلب وحماة، ثم استخدمها ضد الأكراد في الجزيرة، ولم يقتصر الأمر على هذا؛ بل أعاد خلق زعامات عشائرية جديدة ترتهن بأمره. 

حتى العشائر العلوية التقليدية طالتها سياسة التغيير الأسدية وأعاد هندستها بما يتناسب مع مصلحته وطموحه، ومع عودة الحياة لسلطة العشائر إبان عهد الأسد الأب إلا أن هذا لم يمنع من حصول صدامات وخلافات كبيرة بين بعض العشائر فيما بينها، بل وحتى خلافات بين المشايخ التقليدية والجديدة المنضوية تحت جناح السلطة الوليدة، مما أدى لتعميق الشرخ بين الشعب السوري على أساس مناطقي ولو بشكلٍ غير معلن. 

مع وصول بشار الأسد للسلطة عام 2000 خلفاً لوالده، واصل نفس السياسة واعتمد مجدداً على العشائر في تثبيت أركان حكمه في المنطقة الشرقية بشكل خاص، وما أحداث الحسڪة 2004  إلا مثالاً واضحاً عن استعانته بهم ضد تمرد الأكراد. 

العشائر والثورة السورية.. تفرّق بعد توحّد

مع بدء شرارة الثورة السورية من حوران في مارس 2011 تجلت الفزعة العشائرية والتعاضد القبلي في احتجاجات درعا، حيث أطلقت دعوات حينها لبقية العشائر للتحرك ضد إجرام النظام ولعبت المناطق ذات التركيبة العشائرية دوراً كبيرا في التصعيد ضد النظام والاحتجاجات، بالذات في دير الزور وحمص وحوران، في حزيران 2011 أطلق نشطاء الثورة السورية اسم “جمعة العشائر ” على أحد أيام الحراك السلمي في تجسيد لأهمية الحراك العشائري وإسهامه خلال الثورة.

لاحقاً ومع ازدياد قمع النظام انتقلت الثورة للنضال المُسلح والذي تحول لحرب مفتوحة شاركت فيها دول كبرى، ويمكن القول إنّ بداية الثورة شهدت تماسكاً كبيراً من العشائر السورية حيث كانت الأرياف هي معاقل الثورة الأكبر وأبناء العشائر كانوا من أكبر الفئات التي انشقت عن جيش النظام ومؤسساته حينها، وما لبث أن تشظى هذا الموقف لاحقاً وحدث الشرخ الكبير لأن التفتت طرأ على كل شرائح المجتمع السوري، وتضرر النسيج العشائري بشكل هائل وكان الحاصل طبيعياً بسبب ضخامة التدخلات الخارجية وتحول المعركة لحرب بالوكالة.

تماهت الفئات العشائرية مع سلطات الأمر الواقع الجديدة في البلاد والتي أفرزتها السنوات الماضية بحيث تفتت أبناء العشيرة الواحدة لعدة تيارات، وبات لدى العشيرة الواحدة عدة شيوخ، حيث أفرزت الحرب في سوريا وجهاء عشائريين مغمورين ولم يكن أي من هؤلاء القادة وجيهاً من قبل، حيث عمدت كل سلطة جديدة على خلق وجهاء موالين لها لتعزيز سطوتها، وتجلى هذا مع ظهور جبهة النصرة والذي غدا لاحقاً «هيئة تحرير الشام»، وحصل الأمر ذاته مع «داعش»، وقسد، وفصائل «الجيش الوطني» وغيرها.

وعلى سبيل المثال لدى قبيلة الجبور اليوم عدة شيوخ ووجهاء من عائلة واحدة ولكن لكلٍ منهم ولاءه، حيث أن سالم المسلط وقف مع المعارضة، أما محمود المسلط فانضم لقسد ونواف المسلط انحاز للنظام سابقاً، (9). وكذلك الحال للبقارة والعگيدات والحديديين والأمثلة كثيرة. ولم تكن إيران حتى بعيدة عن هذا الموضوع حيث كان مشروعها أصلاً قائمٌ على كسب ولاء العشائر كذلك وحاولت استخدام ورقة العشائر. 

وبعد العام 2013 أصبح تعامل العشيرة مع الحدث الحاصل فيه نزعة مناطقية خاصة منحصرة بمنطقة العشيرة التي تقيم فيها بعيداً عن موقف جامع العشيرة الواحدة، كما كان لقبيلة البقارة في دير الزور وحلب حيث مناطق سيطرة النظام موقف مغاير عن فرعها الواقع تحت حكم ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وهذا الفعل ليس بجديد بل قديم جداً ولنا في تباين موقف قبيلة عنزة إبان الاستعمار الفرنسي مثالاً.

إن تغيّر الولاءات للعشائر لا يعني الخيانة وتغير المبادئ؛ بل هو رد فعل استراتيجي على واقع خطر يحيق بأمن الأفراد، لذلك تلجأ هذه المجتمعات للتماهي معه في حال لم تستطع مقاومته، وهو أمر طبيعي في التاريخ الإنساني، وتغير الولاء هنا مؤقت كما أثبتته التجربة السورية على سبيل المثال لا الحصر.

الخاتمة

تراجع نمط البداوة التقليدية مع التطور الذي طرأ على البلاد منتصف القرن الماضي، الأمر الذي انعكس سلباً على هيكلية القبلية التقليدية، وساهم بخروجها من الكيان الأوحد الصلب إلى كيان أخر أكثر انفتاحاً. ومنذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، كانت غالبية تفاعلات القبائل محدودة إن صح التعبير ضمن الجغرافيا التي تحلُ فيها، ولم تَظهر شمولية القبيلة إلا في حالات محدودة من باب التضامن، كما انقسمت القبائل وتشظّى أبنائها إلى مشارب شتى مع مختلف القوى وسلطات الأمر الواقع التي حلت في الساحة السورية المستعرة. 

من يتتبع التاريخ السياسي للجغرافيا السورية يجد أن القبيلة والقَبلية عنصر أساسي في تفاعلات الاجتماع والسياسة. فقد أسست القبائل العربية وغيرها ممالك وإمارات وحكمت أقاليم ودخلت في صراعات وتحالفات مع سلطات مختلفة. 

كانت القبائل تمتلك نظاماً إدارياً سابقاً على العديد من الأنظمة، وتطورت بناها الاجتماعية بفعل متغيرات متعددة، وفي السنوات الأخيرة ومع أكبر حدث سوري بالتاريخ المعاصر كان للعشائر دورها وتأثيرها، ومن المهم اليوم التعامل جدياً مع هذه المنظومة الاجتماعية بشكل صحيح ضمن رؤية الدولة ومشروع الدولة الوليدة، عبر زيادة ربطها بالمجتمع السوري وكسر الحواجز والصورة النمطية عنها والتي تصورها كمجاميع من الجهلة وساكني الخيام، وفي الحقيقة طبيعة حياة المجتمعات العشائرية اليوم في سوريا هي ريفية نصف حضرية وتعتبر غالبية الجغرافية السورية من هذه الفئات.