ما مصير قسد؟

آخر تحديث: 21 ديسمبر، 2025

الوقت اللازم للقراءة:

10 mins

كيف ولماذا تأسست قسد؟

في العام 2015، أُعلن عن تشكيل ما يُعرف بـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي ميليشيا تأسست كتحالف عسكري ضمّ عدة فصائل محليّة المسلحة وكان الهدف منها قتال تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). 

كان العمود الفقري لهذا التحالف هو ميليشيات “وحدات حماية الشعب الكردية” (YPG) و”وحدات حماية المرأة” (YPJ)، المنبثقتين عن تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK). كما ضَمت “قسد” مجموعات عشائرية ومسيحية وفصائل كانت تعمل ضمن غرفة عمليات “بركان الفرات“. وجاء تأسيس قسد بعد سيطرة الوحدات الكردية على أجزاء كبيرة من محافظات الرقة والحسكة وحلب.

تزامن تكوين “قسد” مع فشل “برنامج تدريب المعارضة السورية المعتدلة” والذي كانت قد أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية، ثم أجهضته “جبهة النصرة” لاحقاً، مما حدا بوزارة الدفاع الأمريكية لإيقافه. هذا الفشل دفع الولايات المتحدة لاختيار المقاتلين الأكراد ليكونوا رأس الحربة في قتال تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي كان يسيطر آنذاك على مساحات شاسعة من الجغرافيا السورية والعراقية. كما تزامنت نشأة “قسد” مع التدخل الروسي لدعم نظام الأسد، ما جعل الساحة السورية أكثر تعقيداً آنذاك.

تركيبة “قسد”: هيمنة كُردية وسياسة إقصائية

بُنيت “قسد” على تحالف عسكري تقوده “وحدات حماية الشعب”، الذراع المسلح لحزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، الذي يُعد الجناح السوري لـ “حزب العمال الكردستاني” المصنَّف إرهابياً لدى تركيا. هذه الرعاية الأمريكية أثارت غضب أنقرة التي تخوض أصلاً منذ عقود حرباً ضد حزب العمال. 

ولتحاشي الاستفزاز التركي، تم إطلاق اسم “قوات سوريا الديمقراطية” على القوة الوليدة، حيث كان الاسم الجديد عبارة عن  واجهة إعلامية، وهو ما أكده الجنرال الأمريكي (ريموند توماس) الذي أشار إلى أن كلمة “الديمقراطية” في الاسم أُضيفت شكلياً لهذا الغرض لتفادي غضب تركيا.

يُقدَّر عدد مقاتلي “قسد” اليوم بنحو 40 ألفاً، بينما ترجح مصادر تركية وصوله إلى 60 ألفاً. وبحسب مصادر وتد فإن الغالبية العظمى من هؤلاء العناصر هم من المكون العربي ولكن بقيادة كردية بحتة، ومعظمهم مُجنَّد إجبارياً، إذ بدأت “قسد” بتطبيق التجنيد الإجباري في العام 2015، وشملت توسعة القانون لاحقاً كل الشباب حتى عمر الأربعين. ورغم توقيع “قسد” لاتفاقية مع الأمم المتحدة في 2018 لإنهاء تجنيد الأطفال، إلا أن “ميليشيا الشبيبة الثورية” التابعة لـ “حزب العمال الكردستاني” لاتزال تواصل خطف الأطفال وزجّهم في معسكرات التجنيد التابعة للحزب.

وقد اتبعت “قسد” سياسة إقصائية تمثلت في تفكيك وإزاحة القوى العربية ذات الشعبية التي قد تنافسها مستقبلاً، مثلما فعلت بفصيلي “لواء ثوار الرقة” و”قوات النخبة” العربيين، واللذان قاتلا معها كحلفاء ضد تنظيم الدولة، حيث قامت بشيطنتهما وملاحقة عناصرهما. إضافةً إلى تفتيت الكتل العسكرية العربية الأخرى في المنطقة على غرار تفتيت قوات قبيلة شمر، بحسب مصادر ميدانية. حيث تسير قسد وفق نهج شمولي وإقصائي لا يختلف كثيراً عن ممارسات نظام الأسد.

خلافات داخلية وسياسات قمعية 

يمكن القول أن ثمة تياران رئيسيان  يُهيمنان على منظومة “قسد”:

 الأول مُقيَّد يأتمر بأوامر “التحالف الدولي” ويقوده “مظلوم عبدي”، زعيم الميليشيا وواجهتها، وتتركز أدواره في التنسيق الأمني مع التحالف الدولي.

 والتيار الثاني المهيمن يتميز بطابع “قومي متطرف” ويقوده قيادات وأذرع من “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، وهم القادة الفعليون والمجسِّدون لمسار عمل “قسد” الشامل، وأبرزهم عسكرياً “محمود برخدان” و”سيبان حمو”، وسياسياً تبرز أسماء “خليل آلدار” و”صالح مسلم” و”إلهام أحمد”، وهم يتلقون أوامرهم من قيادة “حزب العمال الكردستاني” في جبال قنديل. 

يمكن تلخيص سياسة وتعامل “قسد” مع السكان في الجزيرة السورية، بعنوان عريض “سياسة تهميش وعنصرية”. ففي حين حظيَ الأكراد بتعامل أفضل، تعرَّض العرب للتهميش والإقصاء، باستثناء فئة من المنتفعين. كما رصد الكاتب تعرّض المعارضون لسياستها، عرباً وأكراداً، للاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، كحالة العلاقة العدائية بينها وبين “حزب المجلس الوطني الكردستاني” (ENK-S).

وعلى صعيد الخدمات، تدهورت الأوضاع في مناطق سيطرتها (دير الزور، الرقة، الحسكة)، كما تفرض “قسد” أجندات “حزب العمال الكردستاني” على السكان، ما أدى إلى احتقان شعبي كبير وخروج مظاهرات عديدة ضد المناهج الدراسية المؤدلجة وسياسة الاعتقالات والتهميش. وحتى اليوم لم تتوقف عمليات القتل وحملات الاعتقال التعسفية التي تنفذها “قسد” بحق السكان في الجزيرة، بل طالت كل من يرفع علم الدولة السورية، أو يكتب كلمة في مواقع التواصل تشيد بوحدة البلاد أو تتطرق لممارسات قسد، حيث تتهم كل من تعتقله بالإرهاب.

وضع “قسد” بعد سقوط النظام

مع بدء عملية “ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، دخل ملف “قسد” مرحلة جديدة. خسرت “قسد” فيها معاقل استراتيجية بريف حلب كمواقع في محيط عفرين، وانسحبت من مدينتي “تل رفعت” و”منبج” لصالح فصائل “الجيش الوطني”. 

في المقابل، سيطرت على مدينتي “دير حافر” و”مسكنة” شرقي حلب وكامل ريف الرقة الغربي بعد انسحاب جيش الأسد منها آنذاك، كما عززت وجودها في “سد تشرين”، واستطاعت البقاء في حيي “الشيخ مقصود” و”الأشرفية” بمدينة حلب.

وفي دير الزور، أكملت قسد سيطرتها على ما يُعرف بـ”جيب القرى السبع” بعد انسحاب النظام منه، لتبسط نفوذها على كامل الضفة الشرقية لنهر الفرات (الجزيرة)، مما عزز موقفها ومكّنها من التأثير على مجريات الأحداث. ولاتزال المناوشات في “سد تشرين” مستمرة بين “قسد” و”الجيش السوري”، والتي تسببت بتهجير أكثر من 60 ألف مدني سكان القرى الواقعة شرقي منبج بريف حلب.

هل تسحب القوى الدولية الغطاء عن قسد؟  

الولايات المتحدة الأمريكية: سياسة الانسحاب المدروس

تُعد الولايات المتحدة الداعم الرئيسي لـ “قسد”، لكن وصول “دونالد ترامب” لسدة الحكم غير من نوعية التعاطي الأمريكي مع الميليشيا. حيث تسعى إدارة ترامب لإنهاء الميليشيات المسلحة خارج نطاق الدولة وتقليص نفوذها بسوريا، لصالح دولة موحدة مستقرة، تتولى هي ملفات مكافحة الإرهاب. وذلك تمهيداً لانسحاب مدروس لقواتها المنتشرة في البلاد، وتخفيض التواجد العسكري وحصره بقاعدة واحدة أو اثنتين. إذ تم إخلاء قاعدتين في دير الزور وواحدة في الرقة، وتجري منذ شهور عمليات سحب للعتاد بشكل دوري. تتركز السياسة الأمريكية حالياً على:

  •  دمج “قسد” ضمن الجيش السوري الجديد.
  •  دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” تحت سلطة دمشق.
  •  تفكيك المخيمات والسجون التي تديرها “قسد” وتضم عناصر وعوائل “داعش”، مع إشراف الحكومة السورية عليها.

وتراقب واشنطن المفاوضات بين “قسد” والحكومة السورية، وتضغط لتنفيذ “اتفاق 10 آذار/مارس” الموقَّع بين الرئيس السوري “أحمد الشرع” وزعيم “قسد” “مظلوم عبدي”، كما قامت مؤخرًا بعزل ثلاثة دبلوماسيين على علاقة وثيقة بقسد.

ومؤخراً تم تداول أنباء عن نية واشنطن التموضع قرب دمشق ضمن قاعدة جديدة لها في البلاد، قد تكون هي الرئيسية مستقبلاً عوضاً عن قواعدها في الجزيرة السورية. كل هذا يتم بالتوازي مع انضمام دمشق للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ما يشير إلى تحييد قسد عن هذا الملف ولو بشكل مبدئي لصالح الدولة السورية.

تركيا والحسم الجذري  

تَعتبر تركيا أن “قسد” هي أحد فروع “حزب العمال الكردستاني” (PKK) المُصنَّف على لوائح الإرهاب، وهي الطرف الأكثر اهتماماً بحل هذه الميليشيا. كونها قضية أمن قومي كبرى، وتعمل تركيا على نزع سلاح “قسد” ودمجها بالجيش السوري، وتحدثت غير مرة إلى أن الدعم الأمريكي هو سبب بقاء وتعنّت “قسد”، وثمة رغبة تركية في منع أي تنازلات تُفضي إلى تشكيل كيان كردي تقوده منظومة حزب العمال الكردستاني (PKK) على حدودها الجنوبية.

وتَسعى أنقرة لحسم ملف التنظيم بكل فروعه، سواءً في الداخل التركي أو في شمال العراق أو سوريا، وتعول أنقرة اليوم على تنفيذ مشروع “تركيا بلا إرهاب” والحلول السلمية لتحييد ملف حزب العمال، عبر إستراتيجية مزدوجة لتحقيق الأمن من خلال التلويح بالردع العسكري، والسعي باتفاق السلام لبناء حل مستدام يطوي صفحة 4 عقود من النزاع مع حزب العمال. 

في أواخر شهر تشرين الثاني المنصرم أعلن حزب العمال الكردستاني، سحب جميع قواته من الأراضي التركية إلى شمال العراق، في خطوة وصفها بأنها تهدف إلى تجنب الصدامات العسكرية وتهيئة مناخ مناسب لعملية السلام مع تركيا.

في 27 شباط 2025 بعث عبدالله أوجلان مؤسس حزب العمال برسالة تاريخية من سجنه في إمرلي، دعا فيها إلى “إلقاء السلاح والانتقال إلى النضال الديمقراطي“، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الحوار السياسي ضمن الدولة التركية، لا على الكفاح المسلّح. واستجابةً لهذا النداء، أعلنَ حزب العمال الكردستاني في الأول من مارس من ذات العام وقفًا فوريًا لإطلاق النار من جانب واحد، إيذانًا ببدء أطول هدنة منذ اندلاع النزاع. وبالتأكيد لن تكون قسد بمعزل عن قرار أوجلان وتداعياته، فالمشروع التركي يشمل سوريا إيضاً ويضع قسد نصب عينيه، وجميع الخيارات مطروحة لدى أنقرة، والتي تنسق مع سوريا بهذا الملف بإشرافها.

هل تخرق قسد اتفاق آذار؟ 

تتلخص سياسة “قسد” تِجاه الحكومة السورية في “المماطلة والتسويف” والرهان على إسقاط الحكومة الحالية، بهدف كسب الوقت والحفاظ على مكاسبها، والوصول إلى غايتها المتمثلة بـ”الفيدرالية” والذي تسميه “اللامركزية” في شروطها للاندماج. 

ولم تفضِ كل الاجتماعات بين الطرفين لشيئ ملموس لليوم، فيما يتعلق بالاندماج، مما يؤكد أن اِتفاق 10 آذار في حالة موت سريري. حيث تُصر “قسد” وجناحها السياسي على المطالبة بـ اللامركزية والحفاظ على هيكل قواتها العسكرية ككتلة مستقلة ضمن الجيش السوري، وهو ما يُعتبر ضمنياً من أشكال الفيدرالية تحت مسمى خادع.

وتوجهت “قسد” منذ سقوط النظام إلى الحشد العسكري عبر عمليات تجنيد وحفر أنفاق، وتشكيل أفواج عسكرية جديدة مكونة من عناصر جيش النظام السابق ومتطوعين من الأقليات، كما عمدت لاستغلال ورقة “الأقليات” لتشويه صورة الحكومة السورية وإثارة البلبلة في البلاد، ودعم جماعات رافضة للدولة، كتيار الهجري في السويداء. كما تستخدم “قسد” “شماعة تنظيم داعش” لتعزيز وجودها واستمرار الدعم الدولي، وكذلك التخلص من معارضيها من سكان المنطقة، فهي تتهم كل صوت معارض لها بالإرهاب. وإلى اليوم لا تزال قسد فاشلة بتقديم خطاب سياسي شامل، لايخرج عن سياق الأحلام الكردية القومية. مع ذلك يعتبر ملف قسد من أعقد الملفات على الساحة السورية، وغالباً سيكون الحسم فيه تركياً، سواءً عن طريق الضغط أو عبر التلويح بعمل عسكري يدفعها نحو التنازل. 

موقف الحكومة السورية من قسد

تسود حالةٌ من الجمود والتوتّر على العلاقة بين الحكومة السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بالتوازي مع حالة من الرفض الشعبي لممارسات الأخيرة بحق سكان الجزيرة، وامتعاض في الشارع السوري حيال أسلوب التعاطي الحكومي مع الملف.

ترفضُ الحكومة السورية مطالب اللامركزية والاستقلالية العسكرية التي تُصر عليها قسد، وتتمسك بتطبيق اتفاق 10 آذار بحذافيره، والذي يقضي بدمج المنظومة العسكرية لـ “قسد” والمؤسسات التابعة لها بالكامل تحت سلطة دمشق. حالياً ثمة انسجام وتوافق في الرؤية حيال هذا الملف مع الدولة التركية، انسجام مرهون بعامل الزمن ونفاذ الحلول السلمية في حال ماطلت قسد بتنفيذ الاتفاق. يمكن القول أن ثمة حقيقتان لا مفر منهما، ويحددان مصير قسد مستقبلاً وهما:

  • بقاء “قسد” بشكلها الحالي مرهون بالوجود الأمريكي.
  • قيام كيان كردي جنوبي تركيا، يقودهُ فرع من فروع حزب العمال الكردستاني (PKK) هو خط أحمر لأنقرة التي ستشن حرباً لإجهاضه.

يمكن لدمشق وتركيا التعامل مع “قسد” عبر مسارين رئيسيين في حال تعنتت; الأول استنزاف مواردها بالقصف الجوي المحدود، وتحريك ورقة العشائر في الجزيرة، وهي ورقة حاسمة نظراً للنقمة الشعبية ضد قسد. هناك إجماع شعبي في مناطق الجزيرة وبقية سوريا على ضرورة شن عملية عسكرية ضد “قسد”، خاصة مع المخاوف من تحول المنطقة إلى معقل بديل لعناصر حزب العمال الرافضين لإلقاء السلاح.

والمسار الثاني هو الوصول لصيغة توافقية بين قسد والدولة السورية ترضي الطرفين، مع ضمان حقوق الأكراد وبعيداً عن أي مطالب انفصالية وتشكيل دولة داخل دولة.

بالمجمل، لن يُحل الملف بشكل حاسم ما لم تُقدَّم تنازلات من الطرفين، ويبقى مستقبل العلاقة بين الدولة السورية وقسد رهينة للتوافقات الإقليمية والدولية.ومع ذلك، فإن الأرضية اللازمة لعمل عسكري حالياً مفقودة لثلاثة أسباب:

  • الوجود الأمريكي: يمنع أي خطر قد يطال مخيمات وسجون “داعش” قبل البت في مصيرها وتسليمها للحكومة السورية.
  • الرغبة التركية في عدم التصعيد الشامل حالياً ضد (قسد) ريثما تنتهي من قضية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ضمن عملية السلام التركية.
  • رغبة الحكومة السورية في حسم الملف سلمياً والتعويل على المفاوضات، واستثمار موقف “قسد” الضعيف.

    خاتمة:

في النهاية ستزداد الضغوط على “قسد” مع مرور الوقت، مما يضطرها إلى الرضوخ. أما رهان التيار المتطرف الذي يقود “قسد” والذي يراهن على القوة العسكرية وإسقاط الحكومة أصبح خاسراً، خاصة مع ازدياد الاعتراف الدولي بالحكومة السورية وتقدمها في العديد من الملفات. 

كما أن آمال الأكراد الموالين لـ “قسد” في تحقيق سيناريو مشابه لإقليم كردستان العراق هي “أقرب للخيال” اليوم، لغياب الغطاء الدولي والاختلافات الجغرافية والجيوسياسية والديموغرافية، ولأن “قسد” كانت ميليشيا عسكرية أوجدها ظرف قتال “داعش” الذي تلاشى ولم يعد لوجودها مُبرّر.