هيئة تحرير الشام: تغيّرٌ تكتيكي أم تحوّلٌ فكري؟

آخر تحديث: 19 ديسمبر، 2025

الوقت اللازم للقراءة:

10 mins

من المنهج إلى المصلحة

بين «الأيديولوجيا» الجهادية الصلبة وتحدّيات الواقع السياسي، التمست هيئة تحرير الشام طريقها عبر محطات عدة؛ إذ انبثقت من رحم «جبهة النصرة» حاملةً راية الجهاد العالمي، ثم انشقت لتخلع عباءة القاعدة معلنةً «جبهة فتح الشام»، لتؤسّس دويلة في إدلب وحكومة للإنقاذ بعد أن ضمّت فصائل إدلب تحت رايتها إلى أن حلّت نفسها بإسقاط نظام الأسد متمكّنة من مفاصل الدولة، ليتحوّل خطابها من التشديد على «نقاء الراية» العقدي إلى تبنّي أولويات خدمية واقتصادية. فما التغييرات العملية التي أحدثتها هذه الجماعة؟ 

سقوط الخلافة وولادة الفكر الجهادي

هي قصة لا تفهم إلا بوضعها ضمن سياق الفكر السلفي الجهادي، إذ بعد إلغاء الخلافة الإسلامية بأفول نجم دولة بني عثمان اصطدم العالم العربي والإسلامي بتغيّرات وتحديات حالت دون إيجاد كيان يعبر عن وجدان الأمة، فكان الاستعمار الذي قطع الطريق وانتزع دولاً و دويلات من كيان الأمة عقوداً طوال.
وبعد الاستقلال استوردت هذه الدول نظماً سياسية وفكرية لتطبّق على أرضها، متجاهلة ما تمليه ثقافة الشعوب وعمقها الأممي، فكُتمت صرخات وأُسكتت أصوات وأُجهضت مشاريع، ثمناً لوعود بمشاريع قومية، إلا أنها سقطت في فخ القصور السياسي.
وفي ظل هذه الظروف وغيرها وبعد ذبول تلك المشاريع، شهد النصف الثاني من القرن الماضي انبجاساً وذيوعاً للفكرة السلفية الجهادية، والتي بشّرت بعودةٍ للرعيل الأول عقيدةً وجهاداً، وقد جاهروا بأنه لن يصلح آخر هذه الأمّة إلا بما صلح به أولها رافضةً الانصياع لصوت المصلحة، وبعد أن أقرت الجماعة فهماً لصلاح أوّلها أعملت السيف لقطع ما يزيد على طول هذا القياس وحذف ما لا يُرى من خلال عدسة هذه النظارة، إذ يبتدئ المشروع باعتزال المجتمع الجاهلي، فالأصل في الناس الجرح وإعداد طليعة مؤمنة.. ثم تغيير العالم بحسب رؤيتهم

وكانت الساحة المصرية من أهم تلك الساحات إذ ظهر التيار الجهادي إيذاناً بضرورة عودة «الفريضة الغائبة» الذي يرى أنها السبيل الوحيد لرفع صرح الإسلام ودحر طواغيت هذه الأرض التي لن تزول إلا بحد السيف، أو كما استهل محمد عبد السلام فرج -الذي أُعدم في قضية اغتيال السادات- كتابه بحديثَي المصطفى صلى الله عليه وسلم (بعثت بالسيف..) [أحمد 5114] و (.. لقد جئتكم بالذبح..) [أحمد 7036]. ولاحقاً الدكتور فضل/ عبد القادر عبد العزيز أو باسمه الحقيقي سيد إمام الشريف فألّف كتابي «العمدة في إعداد العدة» و«الجامع في طلب العلم الشريف».
بينما انصبَّ جهد أبو محمد المقدسي على الجانب العقديّ والفكريّ في كتابه ذائع الصيت «ملة إبراهيم» وتبعه أبو قتادة الفلسطيني وأبو بصير الطرطوسي وغيرهم.

مراجعات لحركات جهادية سابقة

ولكن عندما اصطدمت المدرسة بتحدّيات الواقع أفرزت نماذج عدة من مراجعات منها مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، فكانت مبادرة وقف العنف عام ١٩٩٧ كذلك سلسلة إصدارات فقهية وفكرية مثل «حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» و«تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء».
أما المثال الأوضح فكان مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة بعد نقاشات مطوّلة مع الدكتور علي الصلابي وغيره التي تمخّضت عن كتابٍ بعنوان «دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة» أقرّوا فيها بالخلل وقدموا فيها النصح للمتحمسين والغيورين على الدين من شباب الأمة، وقد أكّد زعيم الجماعة عبد الحكيم بلحاج لاحقاً على صدق المراجعات في عدة مناسبات.
كان لهذا الفكر صولات وجولات عاشها العالم وعايشناها وآخرها ما كان خلال الثورة السورية، إذ رصد العالم أجمع تجربة فريدة كان فيها تدرّجات من تحولات هيئة تحرير الشام على مراحل عدة شهدنا خلالها تحولات في الخطاب وتخلٍ عن مواقف وانسحاب من فتاوى وحذف قنوات. من هذه الأمثلة وزير العدل الحالي الشيخ مظهر الويس في دورة أقامها بعلم القضاء عام 2015، وقال فيها ما يلي:
«الدساتير المعاصرة تخدعنا بالمصطلحات، ومن هذه المصطلحات
الشريعة الإسلاميّة هي مصدر من مصادر التشريع، يقصدون بذلك مبادئ الشريعة الإسلاميّة كالإحسان والعدل وغيره، ولا يقصدون أحكامها التفصيليّة، وهذا يعني أن هناك مصادر متعددة للتشريع غير الشريعة.
والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ومثل هذه العبارات هي من العبارات الكفريّة، فنحن نقول أن تطبيق الشريعة يكون بأحكامها الكليّة والتفصيليّة بحذافيرها، جملةً وتفصيلاً، فعندما نقول المصدر الأساسي أو الرئيسي هذا يعني أنه يوجد مصادر أخرى.
والشريعة الإسلاميّة هي المصدر الوحيد للتشريع، وهذه الكلمة لا أقبلها بالرغم من وقوع بعض الكتاب فيها دون قصد، لكن انطلت عليهم الحيلة، فهذه الكلمة مرفوضة لأنهم يقصدون دائماً بالتشريع المبادئ والأحكام الكليّة وليس الأحكام التفصيليّة، وعندما نأتِ بقوة هذا التشريع من الشعب سيكون هذا تعقيباً على حكم الله تعالى، ولذلك قال العلماء بأن كل الدساتير باطلة، فالدستور يأتي بقوته من تصديق الشعب له، فعندما نقول (الشريعة هي المصدر الوحيد) بناء على أمر الشعب فقد خالفنا الشريعة، بل يجب أن نقول ذلك بناء على أمر الله تعالى وتعبّداً له سبحانه».
في المقابل فإن الويس يقول في مقابلته على تي آر تي عربي:
«إنّ القانون السوري بحاجة لقوانين عصرية خاصة في ظل النهضة القانونية والتشريعية في العالم العربي والعالم، تراعي انفتاحها الاقتصادي بنصوص تشريعيّة تصدر عن مجلس الشعب ورئيس الجمهورية».

مثال آخر للشيخ إبراهيم شاشو، مفتي مدينة حلب الحالي، إذ يقول في أحد دروسه:
«ما خرجنا حتى نحكم بقانون وضعي ونحكم بغير ما أنزل الله، ما فقدنا ما فقدناه حتى نرضي الغرب أو نرضي أمريكا أو إسرائيل، خرجنا لله ولا نبتغي عن شرع الله بدلاً».

وفي موضعٍ آخر وصف شاشو الشيخ صالح الفوزان -مفتي المملكة العربية السعودية الحالي- بأنه عالم سلطان وهذا أقل ما يوصف به، وقد نصح بعدم أخذ العلم عن الشيخ يوسف القرضاوي فهو باحث عن فقه التيسير بمنهجية مضطربة جداً، وكذلك أجاب عن سؤال أسباب تكفيره حكّام العرب بقوله:
«ابن سلمان وابن زايد والسيسي وأمثالهم من طغاة العرب وحكّام المسلمين هم من رؤوس النفاق والكفر والطغيان، بدّلوا الشريعة، ووالوا أعداء المسلمين من اليهود والنصارى والعلمانيين، وأعانوهم في قتال المستضعفين من المسلمين، وخذلوا إخواننا المضطهدين في فلسطين، وسجنوا واعتقلوا العلماء الناصحين، وأدخلوا الكفر والفسوق والفجور والمجون إلى بلاد المسلمين، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». في قناته على تلغرام والتي قام الشيخ شاشو بحذفها لما حوت من فتاوى تغيّر واقعها كما أنه قد سُرِق حساب أحد المشرفين فيها ونفى مسئوليته إلا عما يُنشر في قناته الجديدة بعد إشعار الشيخ هذا بداية العام.

وفي السياق نفسه انتشر تسجيل مصوّر للشيخ المحيسني وهو يطلق الصرخات وعداً منه ورفاق السلاح ألا يتركوه حتى يُحكّم شرع الله في أرضه رفضاً لــ«الديمقراطية طاغوت العصر» كما هو اسم الرسالة المنسوبة له والتي كتبت في هذا الباب، التي تأمر بها أمريكا، إلا أنه  نشر على حسابه مؤخراً استطلاعا للرأي في حال تم إجراء انتخابات ديمقراطية حرة في سوريا، بينما نشر لاحقاً  كتاب «حقيقة الديمقراطية» لمؤلّفه مدحت الفراج في قناته على تلغرام معلقاً بما يلي:
«فبعد الثورة المصرية المباركة ودخول “الإسلاميين” في معتركها السياسي، ثارت سؤالات الحكم الشرعي لهذا الدخول، تصويتاً على الدستور، ومشاركة في البرلمان وغير ذلك، وكان ممن أفتى حينها بالجواز جلة من مشايخنا الكرام، مثل الشيخ عبد الرحمن البرّاك، والشيخ عبد الله السعد، والشيخ عبد العزيز الطريفي. لكن جماعة من الجهّال سارعوا لتكفير كل من فعل شيئاً من ذلك، بل وكفّروا المشايخ الذين أفتوا بهذه الفتاوي!، انبرى الشيخ مدحت آل فراج -رحمه الله- لبيان المسألة، وتفصيلها وتقرير الحق فيها، في كتابه: “حقيقة الديموقراطية، وحكم التصويت على الدستور” وكان هذا الكتاب«.
أي أن الحسيني أيضاً استقر أخيراً على الإفتاء بجواز مجلس الشعب الذي سيمثّل السلطة التشريعية في الدولة الجديدة. هذه الشواهد وغيرها تطرح سؤال هل نحن أمام نضج فكري أم اشتباك بواقع مختلف أفرز نمط تفاعل مختلف؟

الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش بين الأمس واليوم

واليوم في ظلّ الحديث عن انضمام سوريا للتحالف الدولي، يُظهر مثل هذا التوجه وغيره انعتاقاً عن فتاوى ومواقف فكرية سابقة معروفة للتيار، مثل فتوى أبي قتادة منظّر السلفية الجهادية الذي سُئل عن حكم التنسيق مع التحالف الدولي لقتال الخوارج (داعش) 2016، الواردة فقد أجاب: «هذا الفعل فعل كفريّ مخرج من الملة، لا يجوز لمسلم ولا لتنظيم أن يفعله. إن إعانة الصليبيين على قتل مسلم، حتى لو كان بمثل هذه البدعة الشنيعة التي عليها خوارج الدواعش، فهذه إعانة كفريّة لا يجوز لمسلم أن يأتيها ولا أن يفعلها». (الإفادة في جمع رسائل ومقالات الشيخ أبي قتادة, ٢٠١٩).
وما كان قد تحدّث به سابقاً الشيخ أبو محمد الجولاني (الرئيس السوري أحمد الشرع) أن الثوابت غير قابلة للتبديل مع إمكانية إحداث تغييرات تكتيكية ضمن لقائه مع الإعلاميين والذي نشرته المنارة البيضاء ٢٠١٥. 

ومما ذكره في رفض التعامل مع الغرب بتسجيل صوتي قديم، ما يلي:
«وقد يتأول البعض بوساوس إبليسيّة بأنه هو من سيستخدم الغرب ويستغلهم لغرضه أو لتجنب أذاهم.
و«ومن يتعذر بدفع صيال جماعة الدولة أو غيرها فليفعل ذلك دون أن يكون شريكاً في التحالف الصليبي».
وفي السياق نفسه ذكر الشيخ الويس في كتابه «الأجوبة الشامية في التصدي لنازلة الحملة الصليبية: «من يدخل هذا الحلف لتنفيذ الأجندة الأمريكية حاملاً مشروعاً علمانياً ديمقراطياً ففعله ردة وتول مكفّر لأن فيه متابعة للكفار على كفرهم وإعطائهم مقاليد الطاعة ولا التفات للحجج الواهية هنا من دفع الظلم والبغي لأن هذا لا يبرّر فعل الكفر والرضا بدين الكفار والتزام ذلك عملياً»، وقد نقل أبو أحمد حدود، أو وزير الداخلية السوري الحالي أنس خطاب، كلاماً مشابهاً في رسالته “تحالف الصليب ضد مجاهدي الشام”.
مؤخراً، أفتى الشيخ المحيسني بالانضمام للتحالف الدولي بعد أن أعلن أن الحكومة استفتت المجلس الأعلى الشرعي وعشرين عالماً ممن يعرفهم الشيخ، وقد أطلق الأخير فتواه باعتبارها من باب تخفيف الضرر وتقليل المفاسد وتكثير المصالح حيث أنها ستساعد في: كفّ شرّ الدواعش عن المعصومين، بسط نفوذ الدولة وتثبيت مركزها، حفظ الدماء وتقليل الأذى.

وتابعه في ذلك وزير العدل الويس بضوابط وهي: أن «العمل يأخذ شكل التنسيق والتعاون المعلوماتي والتدريبي الذي يعزز سيطرة الدولة واحترام سيادتها» و«ليس تحالفاً عسكرياً مفتوحاً بالمفهوم الشرعي أو السياسي التقليدي».
ولكن العجيب اعتباره فتاوى سابقة ظهرت على هامش معركة درع الفرات «وقد ظهرت العديد من الفتاوى في نازلة درع الفرات تجيز العمل فيها في ذلك الوقت نظراً إلى أن البديل عن داعش سيكون الانفصاليون والمتوقّع القريب جداً يأخذ حكم الواقع وبعض الشر أهون من بعض، وفي نازلتنا هذه فالأمر قريب مع أن طبيعة التعامل أيسر بكثير منها في درع الفرات كما بيّنتُ في صورة التعاطي اليوم».

إذ كان موقف جبهة فتح الشام رافضاً للقتال بالتعاون مع أي طرف إقليمي أو دولي فورد في بيانها الصادر عام 2016 ما يلي: «نری حرمة القتال في الريف الشمالي تحت أي طرف إقليمي أو تحالف دولي، لا على جهة الاستعانة، ولا من باب التنسيق معه لأن واقع الحال ليس استعانة، ولعدم توفّر الشروط الشرعية اللازمة في هذه الحالة».

كلُّ هذه المراجعات، إن صحّ أن نسمّيها ذلك، تفرض تساؤلاتٍ عديدة على صيرورة مشروع هيئة تحرير الشام، قبل التحرير وبعده. ولعل جملة هذه التساؤلات تختزل في دافع هذه المراجعات: هل ما نراه هو استجابة لضرورات المرحلة ولواقع جديد، أم أنه تحوّل في الرؤية والفكر نفسه؟

خاتمة

أخيراً، عادةً ما تكون المراجعات تعبيراً عن نضج فكري أصاب الجانب التنظيري للجماعة أو أداةً للبقاء يفرضها الواقع عند الفشل.
لكن حال النصر والتمكين كذلك نحن بحاجة لمراجعات لأن الواقع والمصلحة فرضا تغيراً كان قريناً للنصر أو شرطاً له.
وهذا لا يعفي من السؤال الأخلاقي وما فيه من حمولة الواجب الديني تجاه الأخ ورفيق السلاح الذي سقط في اقتتال فصائلي أو بعملية استشهادية نفّذها بفتيا أحد شيوخه.
إذ لا مندوحة عن مراجعات تستدرك الخطأ وتشير إليه، إذ لا يكفي التغير العملي دون أصل نظري يؤطره. على أن فريضة الاعتبار تتطلب شجاعة المواجهة، مواجهة الذات والأتباع أولاً ومواجهة الآخر كذلك، إلا أنه دَين لنا ولشهداء الثورة ولكل من آمن بالفكرة يوماً ومات عليها أو عاش من خلالها للأجيال القادمة، دَين بمراجعات تبرر و تشرح التغير الحاصل والتراجع عن الفتاوى السابقة و هذه الانعطافة الفكرية، كي لا تحيا الأجيال القادمة زمناً مستعملاً تعيد فيه اختراع العجلة، لله ثم للتاريخ.

ولو كان لنا نذيّل السؤال السابق ببابٍ قد يوصلنا إلى إجابة وعمل، فلا يكفي التغيّر العملي دون أصل نظري يؤطّره. على أن فريضة الاعتبار تتطلب شجاعة المواجهة، مواجهة الذات والأتباع أولاً ومواجهة الآخر كذلك، إلا أنه دَيْنٌ حّقّ لنا ولشهداء الثورة ولكل من آمن بالفكرة يوماً ومات عليها أو عاش من خلالها للأجيال القادمة، دَين بمراجعات تبرّر و تشرح التغير الحاصل والتراجع عن الفتاوى السابقة و هذه الانعطافة الفكرية